INI

الأربعاء، 13 مارس 2013

مؤسسة الفكر: البلدان العربية تغرّد خارج علَمها الإلكتروني


حسين جواد قبيسي

يأتي "التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي العربي" (وهو عنوان الكتاب الأخير الصادر عن مؤسّسة الفكر العربي، ويقع الكتاب في 350 صفحة، وهو من القطع الكبير) ليصوّر واقع حال الوضع الرقمي العربي، لا ليكون بمثابة فضيحة مخيفة لما يُعانيه هذا الواقع من ثغرات شتّى يشكو منها، بل ليكون حافزاً على إصلاح الأعطال الكثيرة التي تصيبه في جوانب مختلفة منه. والكتاب، بمنهج تأليفه العلمي وإحاطته الشمولية عمودياً وأفقياً بالواقع الرقمي العربي، هو الأول في بابه في الوطن العربي، ولعلّه الرائد في هذا المجال، فقد استند إلى المعطيات الرقمية كافة التي رصدها على مدى أكثر من 20 عاماً (1990 ـ 2011) ليجمع 20 مليوناً و451 ألفاً و84 وحدة رقمية هي كامل ما نُشِر على الإنترنت بالعربية على سائر قنوات النشر الإلكتروني، ويقوم بتوصيفها في القسم الأول من الكتاب، وتحليلها بيانيّاً في القسم الثاني منه. لذا، يصلح الكتاب لأن يكون مرجعاً أساسياً في ميدانه، ما يسوّغ بحقّ العنوانَ الذي يحمله.


إحدى الثغرات الكبرى التي يكشف التقرير التأسيسي النقاب عنها، هي عدم احترام البلدان العربية (أفراداً وشركات ومؤسّسات..) استخدام العلم الالكتروني الذي يدلّ على البلد الذي يصدر عنه ما يُنشَر على الإنترنت. باستثناء الحروف الأبجدية التي يُكتَب بها ما يُنشَر بالعربية على مواقع الإنترنت، والتي تشي بهويته، يبقى المنشور غير واضح الهوية لجهة البلد العربي الذي صدر عنه، لأنه لا يحمل رمز هذه الهوية بل يحمل في أغلبيته الساحقة رمز هوية أخرى غير عربية إذ ينضوي تحت رموز مواقع أجنبية، دولية بالتحديد.

ولا يعني ذلك أن هذه الرموز هي أجنبية لأنها مكتوبة بحروف أجنبية (لاتينية، تحديداً) بل لأنها تُفصِح عن نطاق دولي تنتمي إليه، من دون الإشارة إلى البلد الذي صدرت عنه؛ فقد أُخِذت الإنترنت، في البلدان العربية، بوصفها نتاجاً أجنبياً أو صناعة أجنبية، كما تؤخّذ سائر المنتجات والمصنوعات الأجنبية الأخرى، من سلعٍ وخدمات شتى، فأدرجت منشوراتها على الإنترنت في النطاقات التي وجدتها جاهزةً عليه. ففي مستهل نشأة الإنترنت أُنشئت المواقع بلغات لاتينية (أميركية وأوروبية) تنتهي ـ بحسب الصيغة التي اتّبِعت في إنشائها آنئذ ـ بمقطع مخصّص للدلالة على النطاق الدولي، يليه المقطع الذي يدل على النطاق الوطني الذي تُنشَر منه المحتويات الرقمية على الإنترنت، (ويُسمّى العلم الإلكتروني للبلد الناشر) مثل fr لفرنسا، وuk للمملكة المتّحدة، إلخ..

بعد ذلك حرصت الجهات الرسمية العربية، وعلى نحو متفاوت في ما بينها، على أن تكون منشوراتها على الإنترنت ممهورةً برمزها الوطني (العلم الإلكتروني للبلد العربي) حتى ولو كان هذا المقطع بحروف لاتينية مثل eg لمصر، و sa للسعودية،  وlb للبنان، وkw للكويت، إلخ.. للسبب الذي عرضناه أعلاه، كما لسبب آخر أيضاً، وهو أن الحرف العربي ما زال في طور التكيُّف مع شروط صناعة الإنترنت وأصولها ومبادئها العالمية، لكي ينخرط فيها من أجل إنتاج محرّكات بحث عربية.

وفقاً للإحصاءات التي جمعها "المرصد الإحصائي للمحتوى الرقمي العربي" ("مأرب") وبلغت 20 مليوناً و451 ألف وحدة رقمية عربية نُشِرَت بين العامين 1990 و2011 وأُنتِجَت في 22 دولة عربية و66 دولة غير عربية (وشرطُها أن تكون قد كُتِبَت باللغة العربية، لا باللغات الأخرى، حتى ولو كان مضمونها عربياً) ووفقاً "للتقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي العربي" (الصادر حديثاً عن "مؤسّسة الفكر العربي") الذي استند إلى تلك الإحصاءات وجعلها مادته التحليلية، أن المنتديات العربية تستخدم 35025 نطاقاً من نطاقات الأسماء، ليس بينها سوى 277 نطاقاً وطنياً (أي ما نسبته 0.8% فقط)؛ فمن مجموع النطاقات المستخدَمَة في السعودية والبالغ عددها 8976 نطاقاً هناك 103 نطاقات وطنية فقط؛ ومن 4191 نطاقاً مستخدَماً في مصر هناك 21 نطاقاً وطنياً فقط؛ ومن النطاقات المُستخدَمة في الجزائر، وعددها 902، هناك 3 نطاقات وطنية فقط. كذلك في العراق 4 نطاقات وطنية فقط من أصل 492 نطاقاً؛ وفي قطر 3 نطاقات وطنية من أصل 118 نطاقاً؛ أما في لبنان (الذي يستخدم 39 نطاقا) والبحرين (55 نطاقاً) وموريتانيا (5 نطاقات) والصومال (3 نطاقات)، فليس هناك أيّ نطاق وطني على الإطلاق.

وبحسب الإحصاءات التي جمعها المرصد المذكور، وتناولها "التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي العربي" بالتحليل، أن المواقع التونسية تحتلّ المرتبة الأولى في احترام استخدام نطاقات الأسماء الوطنية، حيث تصل نسبة استخدامها في المواقع التونسية إلى 77%، تليها المواقع الفلسطينية في المرتبة الثانية، حيث تصل نسبة استخدام نطاق الأسماء الفلسطينية إلى 71%، ثم المواقع الليبية في المرتبة الثالثة بنسبة 70%، فالمواقع الموريتانية في المرتبة الرابعة بنسبة 68%، فالمواقع الإماراتية التي تحتلّ المرتبة الخامسة، باستخدام النطاق الوطني الإماراتي بنسبة 66%.

هذه الدول الخمس تمثّل المجموعة الأولى بين ثلاث مجموعات عربية، لجهة استخدامها النطاق الوطني؛ إذ تضمُّ المجموعة الثانية المواقع الأردنية، حيث تبلغ نسبة استخدام نطاقات الأسماء الوطنية 57%، ثم المواقع اللبنانية بنسبة استخدام 49% والمغربية (49% أيضاً)، ثم المواقع القطرية (48%)، ثم المواقع السودانية (45%). أما المجموعة الثالثة التي لا تبالي مواقعها باستخدام نطاقات أسمائها الوطنية، وتتجاهل علَم دولتها الإلكتروني، من دون أن ترى غضاضةً في ذلك، فهي عُمان (33%)، السعودية (30%)، الكويت (25%)، سورية (24%)، اليمن (23%)، العراق (20%)، مصر (18%)، الجزائر (13%)، الصومال (10%).

جرت محاولات لإقحام منشورات عربية على الإنترنت في نطاقات وطنية عربية، لكنها بقيت هزيلةً هامشية بالقياس إلى حجم المنشورات العربية ضمن نطاقات دولية. فتوزيع النطاقات في المواقع يكشف أزمة عدم احترام "العلَم الإلكتروني" للدول العربية، من قِبَل مواطنيها ومؤسّساتها وشركاتها، فهم يستهينون به ويتجاهلونه، فيستخدمون أسماء النطاقات الدولية في بناء عناوينهم الإلكترونية على الإنترنت؛ وأكثر هذه الأسماء رواجاً هي التالية، وعددها 12 نطاقاً: النطاق الأكاديمي والبحث العلمي (ac) نطاق آسيا (asia) نطاق الأعمال التجارية (biz) نطاق الشركات (com) نطاق التربية والتعليم (edu) نطاق الحكومات (gov) نطاق المعلومات والإعلام (info) النطاق الدولي (int) نطاق الشؤون والقضايا العسكرية والحربية (mil) نطاق الشبكات الإلكترونية (net) نطاق المنظمات غير الحكومية (org) نطاق التلفزيون (tv). وقد بلغت نسبة النطاقات الدولية الأكثر استخداماً في المنتديات العربية، كما يلي:
ـ com مستخدَم بنسبة 67% من قِبَل الشركات والأفراد
ـ net مستخدَم بنسبة 25.94% من قِبَل الشبكات والمواقع التي تقدّم خدمات إخبارية
ـ org مستخدَم بنسبة 3.21% من قِبَل المنظمات والمؤسّسات غير الحكومية
ـ info مستخدَم بنسبة 0.95% وهو مخصّص للمعلومات والإعلام
ـ biz مستخدَم بنسبة 0.72 في الأعمال التجارية والتجارة الإلكترونية
ـ gov  مستخدَم بنسبة 0.12 وهو مخصّص للمؤسّسات الحكومية والرسمية
ـ tv  مستخدَم بنسبة  0.12 وهو مخصّص للقنوات التلفزيونية والفضائية
ـ edu  مستخدَم بنسبة 0.07 من قِبَل المؤسسات التربوية والتعليمية

حتى استخدام النطاقات الدولية لا يتمّ على نحو سليم؛ فـ"التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي العربي" يُشير إلى أن هذا الاستخدام يعكس تدنّياً في الوعي بنطاقات الأسماء وحُسن اختيارها وكيفية توفيقها مع الوظيفة العملية للمحتوى الرقمي؛ فالجزء الأكبر من المنتديات (وهو يمثل 67%) يستخدم نطاق com الخاص بالشركات، كما أن الأفراد يستخدمونه على نحو تلقائي وسريع. من ناحية أخرى، ليس هناك من تناسق بين طبيعة تقسيم المنتديات (من حيث طبيعة واقع تحليل المحتوى) وطبيعة نطاق الأسماء المستخدَمة؛ فالمنتدَيات التعليمية على سبيل المثال (وطبقاً لتحليل محتواها) تشكّل 5% لكن نسبة مَن يستخدم منها نطاق edu لا تبلغ إلا 0.7%. مثال آخر: تشكّل منتديات الإعلام (طبقاً لتحليل محتواها) 6% لكنها لا تبلغ إلا 0.95% في نطاق استخدام اسم info.

يقدّم "التقرير التأسيسي للمحتوى الرقمي العربي" علاوةً على المعطيات الإحصائية المدهشة من حيث اتساعها وشموليتها، أفقياً وعمودياً، ومن حيث كونها جديدة الجدَّة كلَّها على الساحة المعرفية العربية، يقدّم تحليلاً قيّماً لتلك المعطيات، لجهة المعاني والدلالات التي تنطوي عليها تلك المعطيات.

هناك تعليقان (2):

Follow by Email

المتابعون